- أحاديث رمضان
- /
- ٠08رمضان 1422 هـ - موضوعات قرآنية
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
من صحت رؤيته سلم و سعد و من ضلت رؤيته شقي و هلك :
أيها الأخوة ؛ لو حللت العمل الذي يعمله الإنسان من أين يبدأ ؟ و ما أول حركة فيه؟ أنا أعتقد أنه يبدأ من رؤية ، فحينما ترى أن هذا العمل نافع و مفيد ، هذه الرؤية التي تراها أنت هي الباعث الأول لهذا العمل ، إذاً ما يترتب على هذه الرؤية قد يكون خيراً عميماً ، أو شراً مستطيراً ، فمن صحت رؤيته سلم و سعد ، و من ضلت رؤيته شقي و هلك ، الآية :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾
يرحمكم في الدنيا و يرحمكم في الآخرة ، و حالة الأمن التي يشعر بها المؤمن لا تقدر بثمن ، يشعر أنه مع الله و أن الله معه ، و أن الله بيده كل شيء ، مصادر الخوف و القلق في الدنيا لا تعد و لا تحصى ، أنت من خوف الفقر في فقر ، أنت من خوف المرض في مرض، توقع المصيبة مصيبة أكبر منها :
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
القلق له مصادر عديدة ، و القلق مدمر ، و القلق يذهب بهجة الحياة ، و القلق يبطل نعمة المال ، يبطل نعمة الصحة ، القلق من أشد الأمراض فتكاً بالإنسان ، هنا المؤمن يؤتكم كفلين من رحمته ، مكفول في الدنيا و مكفول في الآخرة :
﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
لا تتوهموا أن جنة الدنيا قصر ، أو دخل فلكي ، أو مركبة فارهة ، أو امرأة جميلة ، الرحمة في الدنيا أن تكون آمناً ، أن تكون نظيفاً ، حكيماً ، مطبقاً لمنهج الله عز وجل ، واثقاً أن الله سيرحمك .
مرة أخ أراد أن يكون طريفاً في جلسة قال لي لعله صادق أو لعله يتسلى قال لي : تقول : المؤمن سعيد ، المؤمن ليس بسعيد ، قلت : كيف ؟ قال : لو أن في الجو حراً شديداً لا يوجد عند المؤمن مكيف مثلاً ، لو أن هناك أزمة مواصلات ليس عنده سيارة ، فالأزمة عامة ، و أغلب الظن المؤمن فقير ، قلت له : لو أن إنساناً لا يملك شيئاً ، له دخل أربعة آلاف ، عنده ثمانية أولاد ، بيته بالأجرة ، عليه دعوة إخلاء ، كم حياة هذا الإنسان شقية ؟ له عم غني جداً ، ويملك خمسمئة مليون ، وليس له أولاد ، ومات بحادث ، بحسب المواريث الإسلامية هذه الملايين لمن ؟ لابن الأخ هذا ، ينالها جميعاً ، لكن لأن قضايا المالية معقدة ، ومعاملات الإرث معقدة ، وحساب التركات معقد ، يمكن لا يقبض درهماً واحداً من هذه الثروة إلا بعد عام ، لماذا هو في هذا العام هو أسعد الناس مع أنه لم يستطع أن يأكل لقمة واحدة زيادة عن العام السابق ، ولا أن يرتدي ثياباً جديدة ، ولا أن يغير بيته ؟ لأنه دخل بالوعد ، دخل أن هذا المبلغ سوف يكون بيده بعد حين ، سيشتري هذا البيت ، وهذه المركبة ، سوف يغير نظام حياته ، سوف يشتري بيتاً في المصيف ، سوف يسافر لبلاد العالم ، خلال سنة هو أسعد إنسان ، لا لأنه ملك شيئاً ، لكنه دخل في وعد قطعي ، وهذا معنى قوله تعالى :
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
استقامة المؤمن حصن له :
المؤمن موعود بالجنة ، موعود إذا مات هو من أهل الجنة ، هذا الوعد اليقيني لخالق الأكوان يمتص كل مشكلاته المؤقتة ، أما الإنسان حينما يكفر بالآخرة فكل شيء في الدنيا يتعبه، فلذلك المشكلة تبدأ من الرؤية ، سيدنا يوسف حينما دعته امرأة ذات منصب و جمال ، امرأة العزيز أغلب الظن التقاها جميلة جداً ، و هي سيدته و قد أمرته و هو أعزب و غير متزوج و غريب ، و ليس لصالحها أن يفشو الخبر ، ماذا رأى حتى رفض و مئة مليون شاب يقف في الموقف نفسه يقبل و يرى ذلك مغنماً كبيراً ؟
سائق عمومي استوقفته امرأة ترتدي عباءة إلى أين يا أختي ؟ قالت : خذني أينما تشاء ، فهم عليها و قضى حاجته ، أعطته ظرفين ؛ ظرف فيه خمسة آلاف دولار طار عقله فرحاً بها ، و ظرف فيه رسالة ، قرأ الرسالة وهي عبارة عن كلمتين : مرحباً بك في نادي الإيدز ، انتهى ، و الدولارات مزورة وضع في السجن ، هذا حينما قالت له : خذني إلى أي مكان تريد ماذا رأى ؟ رأى ذلك مغنماً فأقبل فدمر ، سيدنا يوسف ماذا رأى ؟ رأى أن هذا تدمير لعلاقته بالله قال:
﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾
هذا حصن المؤمن ، استقامته حصن ، المؤمن حينما يعرف الله ، مرة أخ هنا و الله يمكن أول أو ثاني خطبة أخطبها عام أربعة و سبعين استوقفني بعد نهاية الخطبة و صار يبكي ، رجل كبير في السن قال لي : زوجتي تخونني ، قال لي : من سنتين و كل يوم ، قلت له : مع من ؟ قال لي : مع جاري ، كيف عرفها ؟ قال لي : الحق عليّ ، مرة سهر معنا قلت لها : تعالي اجلسي معنا إنه مثل أخيك ، بدأت العلاقة ، قال لي : يأتي لعندنا على العشاء أشرب كأساً من الشاي أذهب نائماً ، في كأس الشاي مخدر ، قلت : هذا لو حضر درس علم عَلِم أن الاختلاط مدمر فما فعل هذا ، العلم حصن ، العلم حارس ، يا بني العلم يحرسك و أنت تحرص المال ، سيدنا يوسف ماذا رأى ؟ رأى في إقدامه على هذا العمل انقطاعاً عن الله ، و تدميراً لسعادته ، فابتعد و قال :
﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾
أما هذا الثاني ماذا رأى ؟ رأى ذلك مغنماً كبيراً فكان في هذا المغنم نهايته ، لذلك :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾
هل يوجد إنسان أعظم ممن تولى الله تطمينه و تكفل له بسعادة الدنيا و الآخرة معاً ؟ هذا حال المؤمن :
﴿ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾
عنده بصيرة قد يرفض عملاً يكون سبب دماره ، قد يرفض تجارة تكون سبب دماره ، قد يرفض سفراً يكون سبب دماره ، قد يرفض إقامة مستقرة في مكان تكون سبب دماره ، عنده نور، هذا النور واضح في هذه الآية وضوحاً جلياً ، حتى إن بعضهم يقول :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
لعل قلوبكم تستنير بنور الله فترون الحق حقاً فتتبعوه ، و ترون الباطل باطلاً فتجتنبوه ، أي هذا الذي سرق ماذا رأى ؟ سبعة سرقوا دكان صائغ في يبرود بعد أسبوعين أعدموا جميعاً ، سرقوا ثلاثة عشر كيلو ذهباً ماذا رأوا ؟ رأوا السرقة غنيمة ، يأتي مؤمن يرى العمل غنيمة فيعمل ، أي لحكمة أرادها الله الأعمال الصالحة متعبة ، و الأعمال السيئة سهلة ، لو كان العكس كان هناك مشكلة ، الدخل الحرام كثير و سهل ، أعلى تجارة في العالم المخدرات كيلو المخدرات ينتقل من مكان زراعته إلى مكان بيعه بألف ضعف ، لكن هناك تجارة ربحها عشرة بالمئة ، لكنها دخل حلال ، في هذا المبلغ القليل البركة ، و فيه راحة نفسية ، فالعبرة أن تملك ذلك النور .
الابتعاد عن معصية الله و رسوله :
والله أيها الأخوة ما من شخص على وجه الأرض يرتكب حماقة إلا بسبب أنه أعمى :
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ﴾
كنت أعمى في الدنيا ، و الآن و الله مئات الأشخاص ، و الله آلاف الأشخاص عميان ، يرون الغنيمة في المعصية ، و يرون الفقر في الطاعة ، و العكس هو الصحيح ، لكن الله سبحانه و تعالى يرخي الحبل لعباده بمعنى أنهم يفعلون ما يشاؤون ، الذي يعصي يعصي الله، قد تكون صحته جيدة ، و الذي يطيع يطيع الله ، وقد يكون جسمه عليلاً ، لكن بعد حين تنكشف الحقائق . إذاً :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾
فالمؤمن يمشي بنور الله ، كل شيء يفعله يقيمه في ضوء القرآن و السنة ، هل يرضي الله أن نفعل هذا ؟ هذه العلاقة محرمة ، هذا العمل محرم ، هذه التجارة محرمة ، هذه السفرة محرمة ، عنده بحياته منظومة قيم تضبطه ، المؤمن ينضبط بقيم ، أما الكافر فيتفلت من كل منهج ، و من كل قيمة ، لذلك يقع في شر عمله ، المؤمن له مرجعية ، مرجعيته تحصنه من أن يخطئ ، أما الكافر أعمى يرى مصلحته تبرق في كسب المال الحرام فيقبل عليه ، فلذلك البطولة أن تملك هذه الرؤية ، و هذه الرؤية ثمنها :
﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾
أي اتقوا أن تعصوا الله و طبقوا سنة رسول الله ، عندئذ يتألق في قلبكم نوراً يريكم الحق حقاً و الباطل باطلاً .
منهج الإسلام منهج متكامل واقعي يتوافق مع فطرة الإنسان :
يوجد آية ثانية : إسلامنا واقعي ، إسلامنا فيه زواج ، إسلامنا دين الفطرة ، و الإنسان إذا طبق الإسلام لا يشعر أنه محروم أبداً ، ليس في الإسلام حرمان أبداً لكن هناك توجيه ، يوجد قنوات نظيفة ، الله سبحانه و تعالى ذكر أهل الكتاب قال :
﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾
رهبانية ليست في أصل الدين ، أن يودع الله في الإنسان الدافع الجنسي ثم يحرم نفسه الزواج مدى الحياة شيء غير طبيعي و غير واقعي ، لأن كل شيء الله أمر به يتوافق مع الفطرة ، فالإنسان فطرته الزواج ، الزواج من الفطرة ، هم ابتدعوا رهبانية قال :
﴿ مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾
لم نلزمهم بها ، هم ابتدعوها ، يوجد استثناء رائع ، اسمه استثناء منقطع لا متصل :
﴿ مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾
أي هم حينما كتبوها على أنفسهم توهموا أنها ترضي الله ، لكن لأنها تخالف منهج الله لا ترضيه ، لأنها غير واقعية ، و لن يستطيع هؤلاء أن يطبقوها :
﴿ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾
أي ما تحملوها ، لذلك هناك كثير من الانحرافات عند من حرم نفسه ما سمح الله له به :
﴿ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾
يستفيد من هذه الآية أن منهجنا متكامل ، منهج واقعي ، منهج يتوافق مع فطرة الإنسان ، فلا إفراط و لا تفريط ، فالإسلام وسطي ، أي ما حرم الزواج ، و لا عمل إباحية جنسية ، عمل زواجاً مقنناً وفق منهج صحيح ، ما حرمك المال قال لك : لا تعمل كالهنود يستخدمون اليوغا ، و لا قال لك : انغمس في المال إلى قمة رأسك ، قال :
﴿ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾
امشِ في مناكبها :
﴿ وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾
فلذلك إسلامنا واقعي ، و إسلامنا دين الفطرة ، و إسلامنا متوازن ، و إسلامنا وسطي، و إسلامنا يتوافق مع حاجات الإنسان الأساسية ، و إسلامنا يحقق في الإنسان دوافعه الثلاث ، دافعه إلى الطعام و الشراب ، و دافعه إلى الجنس عن طريق الزواج ، و دافعه إلى إثبات الذكر عن طريق التفوق في العمل الصالح ، فكل الحاجات الأساسية في الإنسان محققة في الإسلام ، فلذلك يمكن أن نقول : الإسلام دين واقعي ، دين الفطرة ، دين التوازن ، دين الوسطية ، هذه الآية دليل جداً :
﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾
ابتدعوها هم ما كتبناها عليهم ، هم حينما كتبوها على أنفسهم ، و ابتغوا فيما يقولون رضوان الله ، و لأنها لم تكتب عليهم ، و لأنها ليست واقعية ، الجواب :
﴿ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾
﴿ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾
هنا استنباط رائع هنا ، أن الإنسان إذا اجتهد بنية طيبة لو كان اجتهاده خطاً له عند الله أجر ، الله جلّ جلاله أكرم و أعظم و أرحم من أن تجتهد في مرضاته اجتهاداً خطأ ثم لا تثاب عليه ، قال :
﴿ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ ﴾
طبقوا هذا ابتغاء مرضاة الله :
﴿ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾